الشيخ محمد رشيد رضا

22

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) وانما هذا علاج لمن اشتد عليهم الخوف من اسرافهم في شهواتهم ، حتى كادوا يقنطون من رحمة ربهم ، لا للمصرين على ذنوبهم بغير مبالاة ، ولذلك قال بعدها ( 54 وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ) إلى آخر الآيات ومن العبرة في هذه الاقسام للمسلمين ان قسم الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا يوجد في كل زمان ومكان ، كقسم الذين اتبعوا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ، وأما المهاجرون والأنصار الأولون الذين أقام الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بهم بناء الاسلام فهم الذين لا يلزّ بهم قرين ، ولا يلحقهم لا حق من العالمين ، ولعل أكثر المسلمين الصادقين في هذا الزمان من الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ، ولعل أسوأ سيئاتهم ترك الجهاد بأموالهم وأنفسهم في سبيل اللّه ، فيجب أن يسترشدوا بهذه الآية ، وبما ورد في سبب نزولها من توبة أبي لبابة وأصحابه . ولا تتم العبرة بها ، الا بتدبر ما بعدها ، وهو تطهير النفس من النفاق وضعف الايمان ، ببذل الصدقات وغيره من صالح الاعمال وقد روى البخاري في تفسير الآية في صحيحه عن سمرة بن جندب مرفوعا « أتاني الليلة ( أي في النوم ) ملكان فابتعثاني فانتهيا بي إلى مدينة بلبن ذهب ولبن فضة فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راه ، وشطر كأقبح ما أنت راء . قالا لهم اذهبوا فقعوا في ذلك النهر ، فوقعوا فيه ثم رجعوا الينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة ، قالا لي هذه جنة عدن وهذا منزلك ، قالا وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا تجاوز اللّه عنهم » اه فهذا تمثيل في الرؤيا لتحسين العمل الصالح وتجميله للنفس وتشويه العمل القبيح لها ، ولتطهيرها بالتوبة والعمل الصالح حتى تكون كلها حسنة جميلة وأهلا لدار الكرامة ، بعد ان تبعث في الصورة التي كانت عليها قبل التوبة . وقد قال تعالى ( 11 : 114 إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ) وشبه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الصلوات الخمس بنهر يفيض على عتبة الانسان خمس مرات كل يوم « فهل يبقى عليها وسخا أو قذرا ؟ »